العباس بن بكار الضبي

30

أخبار الوافدين من الرجال من أهل البصرة والكوفة على معاوية بن أبي سفيان

قال : بلى ، إنه ربي ورب آبائي الأولين ، يحيي ويميت ، وهو بالمرصاد ، كبير متعال ، ومن وراء العباد . فقال معاوية : كنت أحب أن أراك في هذا المقام حتى يصيبك ظفر من أظفاري أهدى به نفسي مما تجده منك ، ومن مرارات أدخلتها بكلامك ، وصدق قتالك يوم صفين ، على قلبي ، ولقد كنت أتوقع عذرك يصلني مع الترغيبات التي رغبتك عل أني أقاسمك شطر قلبي . فما فعلت . - فقال له صعصعة : وكذلك / كنت أنا أقول أن لا تقعد هذه القعدة ولا ولا تستعير هذه العارية « 1 » . ولقد فرحت لك لأنه مقام يورثك النار في لظى الخلود السرمد . وقد كنت أحب أن لا أحييك بهذه التحية حتى تفي مقادير اللّه تعالى فيك . وأما قولك : لو عذّرت لقاسمتك شطر دولتك ؛ فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لوفائي له ، وحفظي وصيته ، وتلزمي بسنته ، فيكون أمري في دولته ومملكته كأمره ، وما عند اللّه خير وأبقى للأبرار . فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص ، وقال له : أوسع لخالك حتى يجلس إلى جنبك . فقال عمرو : لا أوسع له ، إنه ترابي « 2 » . فقال صعصعة : أجل واللّه ، من التراب خلقت ، وإليه أعود ، [ ومنه ] « 3 » أبعث ، وإنك يا بن العاص ناري ، من النار خلقت ، وإليها تعود . فضحك معاوية حتى استلقى على صفحته ، ثم عاد فقعد ، وقال : يا بن

--> ( 1 ) يعني الخلافة . ومن قول معاوية له بعد أن خطب بين يديه : « إن كنت لأبغض أن أراك خطيبا ، قال وأنا إن كنت لأبغض أن أراك خليفة » . ( 2 ) أراد عمرو بن العاص نسبته إلى أبي تراب علي بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه ، وحولها صعصعة إلى التواضع والفقر . رجل ترب : فقير كأنه لاصق بالتراب من الحاجة . وقول معاوية وعمرو وصعصعة في العقد الفريد 5 / 127 . ( 3 ) زيادة لتقويم المعنى .